حبينا أساتذتنا ومازلنا نحبكم

مبارك أردول

لــولا المعلم ما قرأت كتابـــاً،،،، يوما ولا كتب الحروف يراعي
فبفضله جزت الفضاء محلقاً ،،،، وبعلمه شق الظلام شعاعي

في البدء دعوني أوضح شيئاً مهماً، إن مفردة (أساتذتنا) التي أوردتها في العنوان لاتعني ولامقصورة فقط على المعلمين بل تشمل المعلمين والمعلمات معاً، الذين علمونا (وغيرنا) ومازالوا في كل مناحي الحياة، علمونا الكتابة والقراءة، الحساب واللغات، علمونا القيم والإخلاق، التفكير والتدبير، الصحيح من السقيم، الحياة من الجماد، الديناميكا والإستاتيكا، علمونا الإحترام والشجاعة والإنصاف والتقدير، علمونا الصفاه والإنتباه، تابعونا في كل شئ شرحوا لنا وحفظونا وفهمونا لم يبخلوا علينا بشئ تحملنا قسوتهم وتحملوا سفاهتنا، تحملنا سياطهم وتحملوا لامبالاتنا، ضحكنا وفرحنا معاً بكينا وزعلنا منهم، لكننا عرفنا إن ذلك كله كان من أجل مصلحتنا، ومن أجل مستقبلنا ومن أجل أن نكون كما نحن الآن أو أفضل، نحبكم جميعاً، نحيكم ونرسل قبلات الإحترام والمودة لكم فرداً فرداً، نرفع أكفنا بالدعاة لأرواح من توفئ منكم، أتذكركم جميعاً وصورة الأستاذ والأستاذة التي رسمتها في صغيري لم تتغير ولن تتبدل مهما تبدلت الظروف والأحوال.

إن الفاجعة التي نعيشها في هذه الأيام والأخبار المنقولة من جامعة النيلين بخصوص الإعتداء على الأستاذ الدكتور حامد الدود من قبل (طلاب) ينتمون الي حزب المؤتمر الوطني الحاكم في حرم الجماعة، إعتدوا عليه وأهانوه بالضرب وتمزيق الثياب وغيره كما ورد في الخبر وفي التسجيل والكلام المنسوب للدكتور الدود في وسائل التواصل الإجتماعي، لهي فاجعة بحق وحقيقة، أكتب مقالتي وأنا مشدوهاً مما حدث من إعتداء لأستاذ من قبل طلاب! أكتب وفي راسي إسترجاع لشريط وذكريات الأساتذة والأستاذات الذين قاموا بتدرسينا وتعلمينا، تذكرت درجات الحب المقرونة بالخوف والتبجيل التي كنا منحناها ونحن صغار في الإبتدائية فأصبت تقديراً وإحتراماً ونحن في الثانوية وتطورت بعدها لتصل الي الصداقة والأخوة ونحن في المرحلة الجامعية.

أتسأل ماذا دهى هؤلاء القوم؟ وما الذي يحصل من تدهور في كل مناحي هذه الحياة التي نعيشها في السودان حتي وصلت الي حقل التعليم هذا الذي حافظنا عليه مصوناً متماسكاً منذ عهود بعيدة؟ وماذا تبقى بعده إذن ولم تطاله أيدى الخراب والمحسوبية؟.

كنا ندين العنف الطلابي – الطلابي وحمل السيخ والملتوف وحتي السلاح في إعتراك الطلاب في الأنشطة السياسية ونعتبره سلوكاً مستهجناً يجب أن يستبدل بالحوار السلمي والمنطقي والحج والإقناع بقوة المنطق وليس العكس، وكنا نعلم إنحياز الأجهزة الأمنية لصالح طلاب الحزب الحاكم في صراعهم مع القوى الآخري، ولكن أن يتطور هذا الأمر ويصل الي المعلمين والأساتذة هذا مالم يكن نتوقعه ولا نتصوره، هذا بلا شك مؤشر لنهاية العملية التعليمية وإنحلال وتفسخ بدأنا نعيش فصوله.

هذه الأزمة التي نشبت بين الطلاب وأستاذهم في جامعة النيلين والتي ربما ليست هي الوحيدة، وهي في الأصل ليست معزولة من الواقع المتدهور الذي نعيشه وفي كل مؤسسات البلاد وحقولها، فالحقيقة التي يعلمها راعي الضأن في الخلاء إن النظام قد أفسد منذ مجيئه للسلطة كل أجهزة الدولة بساسيات التمكين في الخدمة المدنية والعسكرية وغيرهما، إستبدلوا المهنية والكفاءة بالعضوية والموالين، وعندما يصبح الولاء معياراً، إذن لن يوقف تعدي الطلاب على أستاذهم هذا ولاغيره الا بعد تدخل من هو أعلى تنظيمياً منهم ولاغير، هؤلاء الطلاب لا ينظرون الي الأستاذ بكونه أستاذاً يتوجب إحترامه وتقديره بل ينظرون اليه مختلفاً سياسياً منهم ومعارضاً لنظامهم يتوجب فعل الأفاعيل به، وهذا أصل الحكاية وحجر الزاوية.

ولندلل على حديثنا أكثر أذكر القوئم التي إستبدلوا بها الدبلوماسيين في وزارة الخارجية في بداية التسعينيات والتي كانت تأتي من تنظيم الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني لأحقاً، من كان منهم يحترم من هم أعلى وأكفاء وأطول خدمة في المجال منه؟ وهل كانوا ينظرون الي رؤساهم بنظرة تختلف من نظرة طلاب النظام في النيلين لأستاذهم الدكتور الدود أو بقية الأساتذ ال (ما مؤتمر وطني)؟، هذا تمدد لنفس السلوك وصل الي الحقل التعليمي، وقس على ذلك في كل المؤسسات في الجهاز القضائي والعدلي، وإمتد الي المؤسسات الأمنية حيث صفوها من الوطنيين وأبعدوا أبناء الشعب لصالح عضويتهم ومواليهم، أصبح الدخول الي الكلية الحربية مثلا عبر التذكية من شخصية من النظام أو عبر تنظيم قطاع الطلاب ولم يقف على ذلك الحال بل خلق مليشيات موازية تتمتع بقدرات وتسليح وأليات تتفوق على مؤسسات الدولة وتتحدها، وفي هذا المجال، نشير الي الحوداث الكثيرة والمسجلة التي يقوم بها الضباط الرساليين ضد الآخرين في الجيش فهي على قفاة من شيل، وصلت مرحلة أن يقوم ضابط صغير بكتابة تقرير في نصف صفحة الي رئيس فرعية تنظيمه يتسبب بذلك في نقل رتبة أعلى منه بكثير أو إحالته الي الشارع بسبب مشاجرة أو سوء فهم أوتحدي وكراهية (بس)، فالطلاب تعلموا من رؤساءهم بالمحاكاة أو بالتمادي بعد صمت وتجاهل رؤساءهم من محاسبتهم مهماأخطأوا، أو قل معاقبتهم بحفظ (سورة يس).

إن تدهور هذه المؤسسات ووصولها الي التفكك والإنهيار يرجع لسبب هو إن الكفاءة ليس عاملاً لتقديم الخدمة والعمل بل الولاء، وفي العمل الخدمي لن يفيد الولاء بشئ ولن يصبح هذا الولاء والإنتماء خدمة سيقدمها أفراد تلكم المؤسسات الي المواطن ولا للمؤسسة نفسها، وبالتالي الإنهيار لن يتوقف مالم تعاد هيكلة تلكم المؤسسات وتجفيف أسباب إختطافها من حزب معين وجماعة محددة لصالح كل الوطن ويبنى على أساس ومعيار الكفاة والإقتدار.

في ختام مقالتي أترككم معهذه المحاضرة المنشورة في صفحتي في الفيسبوك نقلاً من قنا السي بي سي المصرية، حيث قال المحاضر فيها (….. إذا أردت أن تهدم حضارة هنالك ثلاثة وسائل:

1. هدم الأسرة.

2. هدم التعليم.

3. إسقاط القدوة.

ولكي تهدم الأسرة عليك بتغييب دور الأم، أجعلها تخجل بوصفها ربة منزل، ولكي تهدم التعليم عليك بالمعلم لا تجعل له أهمية في المجتمع، قلل من مكانته حتى يحتقره طلابه، ولكي تسقط القدوة عليك بالعلماء والمفكرين أطعن فيهم قلل من شانهم شكك فيهم حتي لا يسمع ولا يقتدي بهم أحد، فاذا أختفت الأم الواعية وإختفى المعلم المخلص وسقط القدوة فمن يربي النشئ على القيم).

يقول أحد الشعراء:

إنَّ المعلم شمعة ٌ وهاجة ٌ … يضيء في قلبِ الظلام شـِهابُ
أنا يا معلمي بكَ مـُعجبٌ … وكلـما سمعتك زاد بي الإعجابُ.
ويضيف اخر :

فلئن شكرت معلمي وعطاءه ،،، طول الزمان وبكرة وأصيلاً

يبقى المحال على الوفاء مهيمناً ،،، ولربما شكري يكون جميلاً

February 28, 2016